محمد ابو زهره

479

خاتم النبيين ( ص )

إنشاء دولة الإسلام 334 - هاجر النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وخرج من مكة المكرمة ، وهي أحب أرض اللّه تعالى إليه ، لأن بها البيت الحرام ، ولأنها منزل الوحي ، ولأن بها الأهل والأقربين ، وأن بها ماثر إبراهيم ، ولكنه انتقل مع كل هذا إلى المدينة المنورة ، وما كان ذلك إلا لأنه بأمر ربه أنشأ دولة ، ولأنه ما جاء لرهبانية أو روحانية مجردة ، أو لتهذيب النفوس فقط ، بل بعث رحمة للعالمين ولا بد من أن تقوم دولة تقيم الحق ، وتخفض الباطل ، وتمنع الظلم ، وتجمع الإنسانية ، وتنشر التعاون بين الناس ، وتمحو كل الفوارق التي تجعل بعض بنى الإنسان يتحكم في الآخر ، وتمنع الفساد في الأرض . ولذلك هاجر عليه الصلاة والسلام حيث يستطيع إقامة الدولة المؤمنة التي تتناهى عن الشر ، وتتعاون على الخير ، وكذلك كل رسول يأتي بشريعة تقوم عليها دولة ، كما فعل موسي ، إذ خرج من أرض فرعون ، لينشيء من قومه قوة ترفع الحق ، وحاول ذلك مع بني إسرائيل ، وحاول أن يربى فيهم روح العزة والكرامة ، وهما لا يسكنان في قلب إلا إذا سكن معهما حب الإنصاف ، وحب الرحمة والمؤاخاة ، والرفق ، فالعزيز الكريم هو الذي ينصف ويرحم ، ويرفق ، واللئيم هو الذي يظلم ، ويشق على الناس ، ولا ينزل بهم رحمة ، بل عداوة وبغضاء ، حاول موسى عليه السلام أن يبث فيهم البأس بعد البؤس والخنوع ، فقالوا له ، وهو يريد بهم العزة والدفاع عن أنفسهم فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا ، إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ ( 24 - المائدة ) . وعيسى عليه السلام الذي أثر عنه قوله « دع ما لقيصر لقيصر ، وما للّه للّه » لم يشن حربا ، ولم يقم دولة ، وإن دعا إلى الفضيلة والمحبة ، والروحانية في وسط الغلظة المادية التي آل إليها اليهود ، فكانوا متنابذين مع الإنسانية ، ولكن خاضعون خانعون للدولة الرومانية ، لا يتمردون ، ولا يلاحون ، ولكن يرضون بالمنزل الهون ، كما قال اللّه تعالى ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ ( 112 - آل عمران ) ، فعيسى لم يحاول أن يكوّن دولة ، ولكن كان داعى رحمة ومحبة ، ورفق ومؤاخاة في قوم غلاظ الرقاب يثيرون العداوة والبغضاء ، مع من لا قوة لهم ، ويخضعون في ذلك للقوي ، ويعيشون بالسعاية والإفساد . جاء محمد عليه الصلاة والسلام على فترة من الرسل لإقامة الدولة الفاضلة لأنه خاتم النبيين ، ولأنه آخر صرح في بناء النبوة الإلهية ، فكان لا بد من أن تودع رحمته في جماعة مؤمنة ، وأن تكون هي حاملة تبليغ الرسالة من بعده ، تقاوم في سبيلها ، وتسالم في الدعوة إليها ومد مبادئها ، وتنتقل الرسالة في الأجيال مع هذه الأمة التي حملت الأمانة ، ومع دولة تحميها .